السيد علي عاشور
114
موسوعة أهل البيت ( ع )
يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون باللّه وما أحسن هذا القول وأحلاه ويعلم منه أنّ منصور بن حازم كان حازما حاذقا في أصول العقائد . وغرضه من ذلك إما أنّ معرفة اللّه تعالى فطري غريزي فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، والعقل وحده كاف في معرفته عزّ وجل وهو القائد إلى جنابه وأصول صفاته ، فلا يحتاج الإنسان في معرفته تعالى إلى خلقه بما أعطاه من العقل يسلكه إلى الصراط المستقيم ، قال عزّ من قائل : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 1 » . فهو تعالى أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه ، بل يعرف بالعقل الذي أعطاه خلقه . وإمّا أنّ اللّه جلّ جلاله هو الغني القائم بالذات واجب الوجود في ذاته وصفاته وما سواه ممكن مفتقر إليه ومستند به تعالى ، ظاهر بظهوره وموجود بوجوده ، وهو تعالى لارتفاع مكانه وجلال كبريائه وشدّة وجوده وبساطته أجلّ من أن يعرف بخلقه ، على أنّه تعالى لا حدّ عليه ولا ضدّ ولا ندّ حتّى يعرف بها ، بل هو سبب كلّ شيء وعلّته فهو الأوّل عند أولي الأبصار ، فإنّ أوّل ما يعرف من عرفان كلّ شيء هو اللّه تعالى ، قال سيد الموحدين عليّ أمير المؤمنين : ما عرفت شيئا إلّا وقد عرفت اللّه قبله وقال : اعرفوا اللّه بالله . ومن كلام مولانا سيّد الشهداء أبي عبد اللّه الحسين في دعاء عرفة : كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك « 2 » . وقال أيضا : تعرفت لكلّ شيء فما جهلك شيء ، وقال : تعرفت إليّ في كلّ شيء فرأيتك ظاهرا في كلّ شيء فأنت الظاهر لكلّ شيء « 3 » . فهو تعالى أجل وأكرم من أن يعرف ذاته من جهة خلقه ، بل لا يعرف غيره على الحقيقة إلّا به . وإمّا أنّه تعالى أجل وأكرم من أن يدرك عامة النّاس لطائف صنعه ودقائق حكمته ومصلحته في فعله وقوله ، بل الخلق يعرفونها باللّه تعالى أي بإرساله الرسل وإنزاله الكتب والظاهر أنّ خير الوجوه أوسطها . والمطلب الثاني : أنّ من عرف أنّ له ربّا عرف أنّ لذلك الربّ صفات قدوسية متعالية لائقة بجنابه ، فلمّا عرف ذلك بنور العقل السليم والعقل السّليم يشتاق التقرب إلى جنابه ، ويطلب ما يوصله ببابه ، لأنّ الإنسان جبّل على النيل إلى السعادة والميل عن الشقاوة ، سيّما السعادة الدائمة
--> ( 1 ) سورة الشمس ، الآية : 7 - 8 . ( 2 ) البحار : 64 / 142 ، وصحيفة الحسين : 214 . ( 3 ) مناسك الحج : 275 ، والبحار : 64 / 142 .